کد خبر : 1226             انتشار : 1395/02/03 13:56          تعداد بازدید : 4534

مسرحية"لا يمر قطار بهذه المحطة"،تراثية المنبع ، مابعد حداثوية المنهج

کل أحداث المسرح تحدث في الظلام ، الأمر الذي إختاره المعدون ، قد يکون سيمياء و يجب تفسيره ضمن منهج السيميائيات ، على أية حال إنها مسرحية و للمسرحية دلالاتها وإشاراتها، ورموزها، و إيحاءاتها .


محمد کاظم

جئت من المحمرة .. تلک العاصمة التي تهاوت عليها مخالب النسيان و الإهمال تترى بعدما دکتها آلة الحرب الهوجاء .. کان مساءً ربيعياً.. و الشمس تتلألأ من بين الغيوم الداکنة المبعثرة .. يممت وجهي إلى حدث ثقافي کان ضيوفه نخبة من المثقفين .. کنت متشوقاً لحضور هذا الحدث .. حفزتني الأسماء التي تقف خلفه .. أسماء طالما سمعنا عنها هنا و هناک .. وصلت إلى کوت عبدالله و إلى منتداه الثقافي ( المهدية ) ، ترجلت من السيارة ، فبدأت بالجري نحو القاعة .

دخلت القاعة ، کان الظلام الدامس هو سيد الموقف ، لا أسمع صوتاً فيها و لا حسيساً ، فجأة ، أحسست بيدٍ تمتد نحوي ، کيدٍ تمتد إلى غريق ، أخذت بيدي و مشت بي بضعة أقدام و ترکتها.. علامة الجلوس.

جلست دقيقة واحدة أو أکثر بقليل ، لا أرى شيئا أو أحدا.

فجأة ، أحسست بشيء يتحرک ببطء خلف القاعة ، فأوجست منه خيفة ، و إذا هي الممثلة " مريم القرشية بنت الکاتب المسرحي السيد کاظم القريشي ، و التي تذوب في دورها ، کالعادة کما تفعل ذلک زميلتها الممثلة " مائدة جلالي " - مرتدية زي المرأة الأهوازية ، فأخذت تهرول و تجري في الممر الذي يقع في وسط القاعة نحو الخشبة ، تحاور بکلمات حزينة شخصاً وهميّاً کأنه يمشي خلفها و الحزن بادٍ على ملامحها .. إذ تبدو کظيمة .

يا إلهي ، ما هذه ؟!!

کنت في حيرة من أمرها !!

تخطو بخطوات واثقة و تصعد على خشبة المسرح و إذا بضوء ينهمر على مکان وقوفها ليضيئها لنا .

نعم ، إنها المسرحية إذن .



العنوان :

يشکل العنوان علامة تختزل المسرحية و يشکل أيضا علامة خارجية مما يعکس دلالات تتعانق مع المسرحية لتعطي مضامين داخلية و خارجية تشکل ترابطا یعکس قدرات الکاتب و مضمون المسرحية و الرؤية التي يقصدها .

و العنوان يشهر المسرحية ، فهو يطلع المشاهد على الشفرات المختارة و التي تُرسم متماسکة من بداية المسرحية حتى نهايتها .

القطار : فالقطار علامة لحرکة الحياة و تحرکها أو جمودها و أيضا علامة السفر و الإغتراب .

المحطة : المحطة علامة للجمود و أيضا علامة للسفر بحثا عن الحلم و أيضا علامة التيه و الضياع ، علامة للحرکة و للألم و الحزن بالفراق .

عجوز متعب و ينتظر اللاشيء ، فتحولت المحطة من الحرکة إلى الثبات و الحزن و فراق المحبوب و غياب الهدف و الضياع في زحام الحياة .

کل أحداث المسرح تحدث في الظلام ، الأمر الذي إختاره المعدون ، قد يکون سيمياء و يجب تفسيره ضمن منهج السيميائيات ، على أية حال إنها مسرحية و للمسرحية دلالاتها وإشاراتها، ورموزها، و إيحاءاتها .

المنهج السيميائي ، يبحث عن العلامة و الرموز بأنواعها المختلفة ، لأن اللغة هي مجموعة من العلامات کما يقول دي سوسير ، و تبحث السيمياء عن المعنى من خلال البنية اللغوية المختلفة للغة و الرمز و الدلالة ، لذلک يتحول النص إلى مجموعة من العلامات والرموز التي لها حالاتها فتنتقل دراسة النص اجتماعية ولغوية ودلالية کما يقول بنکراد، وتبحث السيمياء عن المعنى من خلال البنية اللغوية المختلفة للغة والدلالة ، فتنتج عن ذلک دراسة لمختلف العلامات سواءً کانت علامة أو شکل أو صورة .


اﻷحداث تجري في الظلام !!!

ما هي دلالاتها ؟

هل تدل على القول المأثور : " الظلم ظلمات " ؟
أم تدل على ظلامية العادات و التقاليد ؟ أم تدل على ظلامية الواقع المُعاش ؟

لنأتي إلى أحداث المسرحية ، الظلام يدل على ظلم " مرزوق " للعاشقَين في القرية " نجوى " و " إيريح " ، فکذبه على نجوى و إدّعاءه بأنّ إيريح سقط من النخلة و مات ، فتزوجها و قد حرمها من حبيبها و حرمه ... من حبيبته ، فظلمهما و ظلم الحب و الغرام ، و بتعبير آخر " قتل الحب " .

بعض السيميائيات و الدلالات في المسرحية بإختصار :

- جفاف اﻷرض و موت البساتين دلالة على اﻷزمة البيئية في اﻷهواز و ما سببتها من معضلات کصعوبة الزراعة و تدني الوضع المعيشي و الإقتصادي و تفکک نسيج المجتمع و مشاکل أخرى شتى .

- " الحرشة " ... يکاد يذکر يفتأ الحرشة ؛
ذکرها و تذکرها و ذکراها و ذکرياتها الجميلة في غابر الزمان ، دلالة على لم الشمل و الحنان و المحبة و تآلف القلوب بين الناس ، في مرحلة تاريخية ذهبية من تاريخ اﻷهواز ، إندثرت و قد أکل الدهر عليها و شرب .

- الهجرة القسرية من القرية التي ولدوا و ترعرعوا و کبروا فيها هي التي تعد بمثابة وطنهم إلى قرية أخرى غريبة و هذا يدل على محنة الغربة و قساوتها و ما تحمله من صعوبات و ...

- تغريد الرجال ( الهلهولة ) ، على عکس التقاليد فالرجال غردوا بدل النساء ، و هذا إن دل فيدل على إجتياز حاجز التفريق بين الجنسين و عدم الإحتقار بالتقاليد التي تخص المرأة و الإعتزاز بممارستهن .

- ترحيب أهالي الحي الجديد بالوافدين إليهم و إضفاءهم بمعيشة مفعمة بالحياة و مليئة بأمنيات جديدة .

- إطلاق إسم " سمرة " على " نجوى " من قبل أهالي الحي الجديد ، و هذا يدل على تجديد الأمل و وهب الحياة من جديد .

و ربما دلالة على تغيير و جعل أسماء لمدن و قرى و أحياء حبيبة على قلوب محبيها و إستبدالها بأسماء غريبة و غير مألوفة .

- إنتصار الشر على الخير بشتى الوسائل و بأفعال متدنية و ﻷهداف خبيثة و لا أخلاقية ، تذهب بنا إلى قول المنظر السياسي و الدبلوماسي الإيطالي نيقولا مکيافيللي : " الغاية تبرر الوسيلة " ، و دحضه و إستنکاره ، إذ في النهاية ، " نجوى " ، تلوم " مرزوق " على أفعاله المشينة الخارجة عن إطار عرف المجتمع و التي يندى لها الجبين و بالتالي تترکه و هذا یذهب بنا إلى قول اﻹمام علي عليه السلام و القائل :

《 ما ظَفَر مَن ظَفَر بالأِثم و الغالِبُ بالشَّر مغلوب 》.

- حنين کل من " نجوى " و " أيريح " بعد مر عقود من الزمن ، يدل على بقاء الحب الحقيقي في قلب المحبین ما داموا أحياء .

- الوفاء ، حیث " إيريح " يبقى وفيا طيلة سنين طويلة ، يدل على الحب الحقيقي في القرية أي في الزمان القديم ، الزمن الجميل .

- لقاء العاشقين بعد مدة طويلة من الزمن بعد ما فرقتهم اﻷحداث و هذه دلالة على التقاء قلبين متحابين في المستقبل رغما عن کل الحواجز و الظروف .

- شخصية " مرزوق " ، تعکس حالة من الصراع وعدم التصالح مع الذات .

- إنتهت المسرحية بإطلاق تسمية " إيريح " من قبل کل الممثلين و بمد أياديهم و إشارتهم على المشاهدين فردا فردا أي إطلاق " ما عاشه إيريح و ما جرى له في حياته " على کل اﻷفراد و هذه دلالة على شمولية ما عاشه و عايشه أفراد المجتمع من ظروف صعبة ، منها وجع الحياة .

- ظاهرة الترکيبة الزمنية أي تطبیق اﻷزمنة الثلاثة ( الماضي و الحاضر و المستقبل ) في نص المسرحية ، و هذه الظاهرة هي فذة في المسرحيات التي أقيمت في اﻷهواز حتى اللحظة و تستحق التوقف عندها و التمعن فيها ، مما تدل على رمزية معينة لکل زمان من اﻷزمنة الثلاثة و أيضا ترمز إلى قدسية و عبق الماضي و جمالياته و إلى محنة الحاضر و هواجسه و على أمل المستقبل و أمنياته .

الملفت للنظر في المسرحية و الذي هو ما يعطيها مغزى غزير و محتوى عميق و معنى وجيز و فحوى مفيد يجعلها غنية عن التعريف ، هو کثرة إستخدام اﻷمثال و المفردات الشعبية في اللهجة الأهوازية ، منها المستخدمة حاليا و منها المندثرة .

و في اﻷخير ، ملاحظات لابد منها :

- المسرحية لم تکن تخاطب عامة الجمهور بل مخاطبيها من الخواص و هذه بحد ذاتها مشکلة قد يواجهها الکاتب و المخرج ﻷنهما لزاما عليهما أن يراجعوا النص و يصيغوه بصيغة سلسة و سهلة حتى يفقهها الجمهور العام .
( الجمهور العام يشمل کل فئات المجتمع و المقصود من الخواص هم دارسوا الفن و ممن تعلمه أو مارسه أو قرأ عنه ) .

- قد يبدوا من المبالغة القول بأن مستوى المسرحية راقي جدا و أتمنى لو کانت تعرض على خشبات المسرح في مدن شتى منها القاهرة المصرية و بيروت اللبنانية و قرطاج التونسية و الرباط المغربية .

حینما تشاهد المسرحية ، فإنک ستجد إن الکاتب إختار الکلمات و الأمثال الشعبية بعناية فائقة و کل لفظ و مفردة و حتى اﻹشارات التي يقوم بها الممثلون لها دلالة عميقة ، فجعل العنوان و المسرحية جسدا و روحا و نفخ فيهما مجموعة من العلامات و الدلالات و الرموز ليشکل آفاقا تأويلية وسعة .

في هذه القراءة تم إختيار مجموعة من العلامات و تم محاولة دراستها وفق منهج السيميائية ، بغرض التأويل ليتعرف المشاهد على المضامين و الشفرات و الرموز و التي لها أبعادا و آفاقا و تأويلات متعددة .

في النهاية أشد على أيدي کل طاقم المسرحية من کتاب و مخرجين و ممثلين و ممن ساهم بإعدادها و نتمنى لهم النجاح .

فإن المسرح سيبقى -کما قال شکسبير- وسط العالم .


فرقة اشراق للمسرح :

الکاتب : سيد کاظم القريشي

المخرج : عبد العظيم عساکرة

الممثلون :
مريم القريشي
فيصل الزرقاني
عباس الزهيري
بسنه الناصري
سيد شاکر الموسوي
ابتسام غرباوي

اﻹضاءة : هادي الناصري
المدير التنفيذي : توفيق مرجاني
تدارکات : سيد جواد القريشي .





.
البحث في ارشیف الموقع
تقریر مصور لیوم الشاب في معشور
نمادهای حیوانی درتمدن عیلام/حسین فرج الله
النشاط المُزدهِر الثقافي ومنطقة معشور
إلمتهَم/شعر:حسين فاضل جنامي
شهرهایی حقیقی با نام هایی جعلی رضا شاهی
فرقة اگزار للمسرح تقدم باکورة اعمالها في مدینة معشور
احلى الاعياد بنکهة هلال و هيل + صور
تخریب و القای تفرقه بین نخبگان عرب در فضای مجازی
اسدی:در شادگان و آبادان، نخل‌های فراوانی در حال نابودی هستند
آیت‌الله کعبی:انتقال آب خوزستان با وجود مشکلات فراوان جای سؤال دارد
عادت هميشگي حاضران در عرصه فرهنگ
معایدة الکبری در روز اجرا لغو شد
استفاده از کولر آبی در هوای ریزگردی، ممنوع
نخستین جشنواره «تعلیم، رسانه، تربیت» در خوزستان برگزار می شود
مدينة تستر تحتفل بعيد الفطر المبارک/تقرير مصور
معایدة فرحة العید في مدینة المحمرة(اللیلة الاولی)/صور
معایدة عدد من النخبة الأهوازیة مع آیة الله الحیدري(صور)
معایدة عدد من النخبة الأهوازیة مع آیة الله الجزایري(صور)
مدينة رامز تحتفل بعيد الفطر المبارک/تقرير مصور
اجواء العيد في الدورق/تقرير مصور
العيد في قلعة کنعان /تقرير مصور
اجواء العيد في تستر/تقریر مصور
معرفی دو کتاب از مهندس عبدالرضا نواصري
شدة ورد هايکوية من الأهواز/مصطفی جمال
 
مجله تحلیلی خبری بروال , دفتر مرکزی اهواز ، زیر نظر شورای سردبیری