کد خبر : 7100             انتشار : 2015-08-09-11-57-26         
 

"أصول الناصورائية المندائية": العرفانية في وادي الرافدين


 



  



 


 


 


محمد منابي


 


(ماجستیر فرع "ادیان و عرفان")


 


 


الخلاف حول الديانة المندائية وأصل نشأتها وتعاليمها، والاختلاف حول عمله الأقدم "جذور الديانة المندائية"، دفَعَا الباحث العراقي خزعل الماجدي إلى تقديم كتابه الجديد بعنوان "أصول الناصورائية المندائية في آريدو وسومر" (فضاءات)، في بحث يعتمد المنهج المقارن بين الدينَين؛ المندائي الناصورائي، والسومري.


تركزت الدراسات السابقة في بُعدين؛ الأول يناقش صلات هذه الديانة القديمة من تشابه واختلاف مع ما اصطُلح على تسميته بـ"الأديان السماوية"، ونتيجة وجود اجتهادات متعددة لدى كل دين سماوي لا يفترض أغلبها الموضوعية في وصف المندائيين وعبادتهم ومقدساتهم. والثاني، هو إصرار باحثين كثر على ربطهم بنهر الأردن وفلسطين بسبب إيمانهم بيوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا)، وفي ذلك نفي "مضمر" لجذورهم الممتدة إلى ديانات بلاد الرافدين القديمة.


 


 




 


المندائية ديانة غنوصية مبكرة، وهي العرفانية بأدق وأكمل أشكالها، وأخذت بالتشكّل حين بدأت تتقوّض أركان الديانة البابلية من جهة، وتتبلور الزرداشتية واليهودية من جهة أخرى، لتكون المندائية تلك الخميرة المعتقة لعقائد وادي الرافدين، إذ إنها تجمع في نسيجها الديانتين الجديدتين - وقتئذ- لكنها لا تكشف عن نفسها؛ لأنها إذا أعلنت تعاليمها وأسرارها فستموت، وفق رؤية الكتاب.


يعتبر الماجدي أن مصطلح "الصابئة" خاطئ من أساسه ويرى الماجدي أن الناصورائيين هو الاسم الأول الأقدم للمندائيين، لكنه يعني اليوم "المتمكّن من أمور الدين والعالم بأسراره الخفية سواء أكانت له صفة كهنوتية أم لم تكن"، ويصل في استنتاجه إلى أبعد من ذلك، بأن الناصورائيين هم أحد شعوب وادي الرافدين، الذين ظهروا في السهل الرسوبي الجنوبي بين دجلة والفرات، وكانوا يؤمنون بعقائد الخصب القديمة، التي أصبحت تدور حول الإله الذكر، وليس حول الإلهة الأم في بداية عصر الكالكوليت (العصر الحجري النحاسي.)


أما حسب رأیه، فقراءة المندائية بإعادتها إلى جذرها العراقي تقود الباحث إلى افتراض أن أتباعها هم من أسّس أول مدينة في التاريخ، وهي أريدو، التي كانت عند فم الفرات، وهو يصب منفرداً في الخليج العربي، وهناك ظهر أول معبد في التاريخ فيه إله الماء (إيا)، الذي كان السومريون يسمونه "إنكي"، مع ترجيح أن الـ"ناصورا" أو "نسّار"، هم الشعب الذي أسس حضارة أريدو وأسس لديانة الماء الأولى.


ويفنّد كذلك بعض الشواهد، التي ترد في التراث الروحي للمندائية، مشيرة إلى اليهودية أو المسيحية أو بعض الأسماء والمفردات والأعلام، بأنها لا تذهب بنا إلى فلسطين والأردن. وهنا يعتقد الماجدي أن احتكاك المندائيين باليهود والمسيحيين قد حصل على أرض وادي الرافدين في أزمان متفاوتة، إذ عرفوا اليهود بعد السبي البابلي في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وعرفوا المسيحية منذ القرن الميلادي الأول حين قدِم المبشرون إلى وادي النهرين.


ويؤكد الماجدي في موضع آخر أن مصطلح "صابئة" العربي - الإسلامي هو خاطئ من أساسه، ولا يشير أبداً إلى مجموعة دينية معينة، بل هو مصطلح عام يشير، مرّة، إلى الأديان القديمة، ومرة إلى الخارجين عن تلك الأديان، في خلط بينهم وبين فرقة وثنية أقامت في حرّان، وكانت تعبد الكواكب، إضافة إلى أن الكتاب المقدس للمندائيين، "كنز ريا"، لا يذكر كلمة صابئة، مطلقاً، وكذلك "كتاب يحيى" وبقية كتبهم الدينية.


إنّ أتباع المندائية هم من أسّسوا أول مدينة في التاريخ ثلاث نظريات شهيرة حول هذه الديانة، الأولى المتمثلة بنظرة أتباعها حول أنفسهم، والثانية تتعلق بآراء الفقهاء والمؤرخين المسلمين عنهم، والثالثة تتصل بدوائر البحث العلمي في الغرب التي تنقسم بين رأي يربطها باليهودية والمسيحية والغنوصية الغربية وآخر يعيدها إلى أصل شرقي؛ رافديني وزرداشتي، وهو ما يعارضه الماجدي من أجل سوْق الدفوع للنظرية الرابعة التي تؤصّل لها منذ حضارة أريدو سابقاً على ما عداها من نظريات.


تبدو المقارنة بين المعتقدات الناصورائية والسومرية هي الأكثر جذباً في أطروحة المؤلف، حيث تتقاربان في عوالم الوجود واللاهوت، وفي مقدمتها تقديسهم المشترك لإلهة الماء الحي القديم الأزلي، وعالم النور باعتباره الجوهر الثاني في الديانتين، والذي أبقت عليه الديانات التوحيدية في صورة الملائكة، وهناك تشابه كبير بين أسماء الشهور المندائية والبابلية (ذات الأصل السومري)، ومعانيها، وكذلك الأبراج الفلكية، ثم يأتي عالم الظلام الذي يتميز في كلا المعتقدين بشدة التعقيد والتركيب وسيطرة كائنات ظلامية عليه.


إلى جانب ذلك، يناقش الكتاب الالتقاء في الأفكار الدينية الكبرى حول الله والآلهة، والأنبياء والوحي، والموت والعالم الآخر، ولا يغفل عقد مقارنة بين المعبدين السومري والمندائي وتراتبية رجال الدين فيهما، ومقاربة الأساطير والطقوس لديهما.


قدّم الفصل الأخير مدخلاً مختصراً إلى التراث المندائي، لكن المخطوطات التي يعرضها ستأخذ نظرة مغايرة في ضوء تأصيل الكتاب إلى منشأ الديانة وتشكّلها، قد تبدو صادمةً لأطراف عدة، مؤشرة إلى معطيات جديدة في سياق قراءة تاريخ العراق ومكوناته وصولاً إلى عصرنا الحديث، وليس كونه بحثاً يفتش في أسرار عقيدة ظلت مستترة لقرون...


 


 

تست