کد خبر : 7122             انتشار : 2015-08-14-06-58-58         
 

رسالة في الحلم/بقلم مهدي الیاسري


 





 





مهدى الياسري











 



انتهى اليوم المضيء وجن الليل بسواده وإذ بكائنين غير مرئيين يناديان! هل من مسافر؟ فقلت إلى أين؟ قالا لرؤية من تشتاق إليه، فقومني الاشتياق ورددت! هل أنتما قادران على أخذي لحبيبتي؟ فقالا إن شئت نأخذك مكبلاً ملثماً ريثما تصل، نميط اللثام منك لتبحث في غابة لم ترها من قبل، فقلت على بركة الله. فكبلاني وأسراني دون أن يتفوها بكلام وأسرا بي وأدخلاني عالماً يختلف عن عالم الدنيا، فأمراني بالبحث عن حبيبتي التي فقدتها منذ شهور. 


فبدأت أنظر معجباً في هذه الأرض الغريبة التي وضعت قدماي فيها، ولا وجود لها في عالم الدنيا، فالتفت إلى يميني رأيت عجب العجاب، العشب الأخضر يغطي الجبال الشاهقة تخترقها شلالات وأنهار اللبن الذي لم يشبع منه والعسل المصفى والمياه الصافية غير الآسنة تجري بصوت يخفق القلب إليها اشتياقاً والعصافير تغرد فوق الشجر الذي يشكل غابة لم أرها قط سبحانك ربي «مَثَلُ الْجَنَّة. الَّت.ي وُع.دَ الْمُتَّقُونَ، ف.يهَا أَنْهَارٌ م.نْ مَاءٍ غَيْر. آس.نٍ وَأَنْهَارٌ م.نْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ م.نْ خَمْرٍ لَذَّةٍ ل.لشَّار.ب.ينَ وَأَنْهَارٌ م.نْ عَسَلٍ مُصَفًّى»، فانبهرت بالطبيعة يا لها من جمال، رباه أسعدني لأكون من الساكنين في هذه الأرض النائية والجميلة، ليتني أكون محظوظاً وأنجح باختباري كي أسافر لهذا العالم الغريب بشهادة تدخلني فيه.


لا عجب أن يستغرب القارئ أني واقع في الحب الشديد وأصبحت ضحية هذا النوع من الحب الشمولي، ربما يسأل القارئ لما يعبر الكاتب هكذا عما في داخله، ألا يخجل من قلمه الذي يمثل أفكاره؟ ألا يخشى كلام الناس؟ الحق كل الحق معك أيها الأخ القارئ، لكن ماذا أعمل، أيضاً، لي قلب يضخ الدم في جسمي وعاطفة تحرك إحساسي، لأخضع تقديساً لحبي. على أي حال، فقلت في نفسي أن أمضي قدماً إلى الأمام لعلي أرى شيئاً جديداً. فصمت برهة وفكرت قليلاً فتقدمت بالمضي قدماً عسى أن أجد حبيبتي التي منذ أن فارقتها وقلبي ضعف نبضه، فشاهدت كائناً يختلف عما رأيته في الدنيا، ياللغرابة! أناس فرحون، فاكهون في النعيم، شاربون ألباناً صافية، متحلون بالأساور، أنهار تجري من خلفهم جالسون على الأرائك المزينة ينظرون إلى المياه الجارية والعصافير الشادية تغرد وهم على أصواتها طربون، فتذكرت حبيبتي فنظرت نظرة ثاقبة أفحص بها الوجوه.


لم أر سحر جمال أنامل حبيبتي، فخاب ظني ولم أجد ضالتي وضاق صدري فأوشكت عيناي أن تدمعا، رجعت وأنا أردد الآية «إني إذاً لفي ضلل مبين»، وإذ بهاتف رن في أذني من فوق شجرة التين، ففزع كل ما في داخلي، ولدي حبيبي هل أصابك مكروه؟ ل.م هذه حالك؟ ما هذه الكآبة التي تغطي وجهك الفرح؟ والمشيب البارز في ذقنك ورأسك؟ يا ولدي، تعال لأعانقك وأضمك إلى صدري، لقد طلبت أن أراك وأنا في سكرات الموت. فحين ما رفعت رأسي رأيت نوراً كبدر ليالي البيض يضيء ليله في الصحراء الظلماء يشع نوره من السماء، والملائكة حوله كالنجوم المحلقة حول القمر، فثار جنون حبي اشتياقاً لهذا الصوت الحنون الدافئ بحرارة أمومته وخضوع قدسيته، فانهمرت الدموع وسكبت وانحنيت إكراماً وتقديراً فتمتمت خاشعاً أماه حبيبتي لقد طال انتظارك. وترك غيرك. من عائلتك. دار الدنيا! قالت من؟ فقلت لها إسماعيل أخي، فتنفست زفراً ونظرت إليّ شذراً وقالت هذا كذب وافتراء لقد ودعته بصحة جيدة، فرددت يا أماه هذا ما حصل، فصرخت ورفعت كفيها إلى السماء بصوت حزين «ربي إني أودعته أباه وإخوانه فخذ روحي مرة أخرى وأرجع فلذة كبدي إلى الحياة».


 






 


المصدر:القبس الکویتیة






تست