کد خبر : 7127             انتشار : 2015-08-15-09-16-07         
 

أنا و هي.../بقلم:مهدي بحري


 



 





 


مهدي بحري


 


 


هكذا رأيتها ، واقفة لساعات هناك على  حافة النهر ، تنظر الى البعيد ، لم اكن اعلم بماذا كانت تفكر ، واقفة و الحزن يملؤها ، الوحدة تملئ عالمها و كيانها ، ربما سرقت نفسها من سجون الألم اليوم لتأتي الى هنا لتبوح بهمها إلى كارون في عصر ذاك اليوم ، وقفت هناك على مسافة منها و لكني لم أتعرف عليها و أحببتٌ أن أكلمها لأعرف ماذا يجول في خلدها لأني لم أشاء أن اكسر زجاج الصمت الذي كان يحيط بها و لم أشاء أيضا أن أجعلها ترحل و تدمر هذه اللوحة الرائعة برحيلها . 


 


في الساعة الخامسة من ذلك اليوم ، ربما كانت تشكو حزنها و همها إلى كارون الذي إعتادت أن تبوح له كل شيء و ألذي بدوره تعود على كتم الأسرار، أسرار العشاق ، ألفقراء، المسافرون، الراحلون، المغتربون، حتى الذين كانوا بالأمس معنا و اليوم إختفوا، كل شخص يحب الجلوس أمام الساحل و ينظر الى الأفق البعيد و يفكر و يخطط لهذه الحياة الذي يكتنفها الغموض، هذه الحياة الذي يمتد غموضها من قعر الخليج العربي إلى أقدم حضارة عرفتها البشرية، حضارة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه كحضارة عيلام و ميسان و كم هيّ جميلة هذه الأسماء، هذه الفتاة حزينة جداً و حزنها كحزن عيلام حين أبت أن تكشف عن غموضها و لم تشاء أن تفك رموزها و ميسان مثيلتها التي غاصت في زوايا التاريخ و لم ينجدها و ينقذها أحد، ربما أرادت الفتاة أن تغوص في زوايا كارون لكن لم تشاء لأنه انتحر قبلها أمام مراء الجميع و لم ينقذه أحد ، ربما ارادت أن ترمي بنفسها لكن لأن النهر لم يستقبلها كالسابق و يفتح لها قلبه الذي كان مملوء بالحب و الحنان و العطاء، بعد أن جفت هذه الأحاسيس بجفاء الناس، فتساءلت ما فائدة التضحية بسبيلهم و لتوعيتهم و ها هيّ تقف صامتة أمام كارون و قد نحر من الوريد الى الوريد و خرت قواه و لا احد يتجرأ أن ينطق ولو بكلمة . 


 


إشتد الظلام و هيّ ما زالت تبوح بأسرارها بمجرد النظر الى الغروب و اضواء الشمس الخافتة في البعيد، ظلام كظلام عباءتها، كالحزن المنقوش على وجهها، كالحرقة ألتي لفت فؤادها ، حرقة لا يعلم بها إلا مفتعلها، حرقة جعلت الإبتسامة تأبی أن ترتسم على شفاهها، ربما إبتسامتها كانت كإبتسامة طفلة تبيع الورد على الرصيف في أحد شوارع الأهواز، مر الزمن سريعاً و حان وقت رحيلي، لكن للحظة تذكرت و كأني رأيتٌ هذه الفتاة، نعم هيّ، في كل مكان تبحث عن ذاتها و إنوثتها المسلوبة و الضائعة، هذه الفتاة تبحث عن كلام ضاع عن الأفعال و بقي على الألسن، تبحث عن وعود لم يحققها المجتمع و لم ينصفها و لم يُوَف بها، هي في المحمرة تتمشى في سوق العيزان او كوت الشيخ على كرنيش كارون او واقفة في حديقة ملافاضل السكراني في الفلاحية او واقفة هناك تحدق في الوجوه الغريبة التي نزلت بهذا البلد، نزلت على مسامات جلده كالوباء المنتشر هنا و هناك، هيّ كتلك التي واقفة على ضفاف الكرخة الهزيلة او في اسواقها الشعبية في الخفاجية، هيّ كتلك المراة التي تبيع الباري و الچمبيل و الزنبيل في أسواق عبادان، أو تلك التي تقطف الثمرات في بساتين الرفيع و الإبسيتين، هيّ كتلك التي تستيقظ من الفجر لتسقي الجواميس في الرگبة و الصراخية و ضفاف كارون، او تلك التي تستحذي على قارعة الطريق في اسواق السوس و تستر و القنيطرة و الحميدية و شاوور و التميمية، هيّ موجودة في كل مكان من أقصى الجنوب من شط العرب الى أقصى أقصى الشمال من الخليج، هِي المراة ،هيَ امي و إختي و زوجتي و بنتي فَلَولا وجود هذه المرأة لم و لن نكون المجتمع الذي نطمح اليه ابداً ...


 


 



 


تست